الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
360
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في الآية التالية ينهج إبراهيم منطقا استدلاليا آخر ، فيقول لعبدة الأصنام : كيف يمكنني أن أخشى الأصنام ويستولي علي الخوف من تهديدكم ، مع إني لا أرى في أصنامكم أثرا للعقل والإدراك والشعور والقوة والعلم ، أما أنتم فعلى الرغم من إيمانكم بوجود الله وإقراركم له بالعلم والقدرة ، ومعرفتكم بأنه لم يأمركم بعبادة هذه الأصنام ، فإنكم لا تخافون غضبه : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ( 1 ) . إننا نعلم أن عبدة الأصنام لم يكونوا ينكرون وجود الله خالق السماوات والأرض ، ولكنهم كانوا يشركون الأصنام في عبادته ويعتبرونها شفيعة لهم عنده ، كونوا منصفين إذن وقولوا : فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون . يستند منطق إبراهيم ( عليه السلام ) هنا إلى منطق العقل القائم على الواقع ، إنكم تهددونني بغضب الأصنام ، مع أن تأثيرها وهم من الأوهام ، ولكنكم بعدم خشيتكم من الله العظيم الذي نؤمن به جميعا ، ونعتقد بوجوب اتباع أمره تكونون قد تركتم أمرا ثابتا ، وتمسكتم بأمر وهمي فهو لم يصدر إلينا أمرا بعبادة الأصنام . في الآية التالية جواب يدلي به إبراهيم على سؤال كان هو قد ألقاه في الآية السابقة ( وهذا أسلوب من أساليب الاستدلال العلمي ، فقد يسأل المتكلم سؤالا عن لسان المخاطب ثم يبادر إلى الإجابة عليه مباشرة كدليل على أن الجواب من الوضوح بحيث ينبغي أن يعرفه كل شخص ) ، يقول : إن المؤمنين الذين لم يمزجوا إيمانهم بظلم ، هم الآمنون وهم المهتدون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون . ثمة رواية عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) تؤيد كون هذه الآية استكمالا لحوار
--> 1 - " السلطان " بمعنى التفوق والانتصار ، ولما كان الدليل والبرهان من أسباب الفوز والانتصار ، فقد يوصفان بالسلطان أيضا ، كما هو الحال هنا ، أي لا وجود لأي دليل على السماح بعبادتها وهذا ما لم يستطع إنكاره عابد صنم ، لأن أمرا كهذا ينبغي أن يصدر عن طريق العقل والمنطق ، أو عن طريق الوحي والنبوة ، وعبادة الأصنام مفتقرة إلى كليهما .